الرئيسية | الأخبار | وردنا الآن | العولمة: مفهوم، تطور العولمة وآليات المواجهة

العولمة: مفهوم، تطور العولمة وآليات المواجهة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

بقلم فادي درباس

ربما لم يعد خافياً على الناس خطر شبح العولمة وما يحضر في المؤتمرات التي تعقد بين فترة وأخرى (منظمة التجارة العالمية في سياتل، مؤتمر دافوس في سويسرا وأخيراً قمة نيس) وما يجري هناك من اتخاذ قرارات بحق شعوب وتقرير مصيرها بدون سؤالها. أي باختصار إطلاق ذلك الشبح نهائياً.

          النيوليبرالية، الامبريالية العليا، أسماء وأسماء أطلقت ولكن المفهوم واحد والنتيجة واحدة والكل يعاني وخصوصاً بدان العالم الثالث (مع أني أختلف مع هذه التسمية) وما ترزح تحت ثقله.

          يبقى أن يكون لنا مساهمة كغيرنا في محاولة إيصال هذا المفهوم الى الشباب، إذ أنهم هم الوحيدون القادمون على مواجهته، الذي ببساطة يهدد أمن وسلام وعيش كل الشعوب.

          حاول الكثيرون تعريف عملية العولمة، لن أذكر كل التعريفات، إنما استقيت هذا التعريف كخلاصة لكل تلك التعريفات.

          العولمة (كتعريف): هي حركة علمية موضوعية لتطوير رأس المال، بحيث تستطيع تخطي كل الحدود وكسر القيود كالقوميات والوطن والخ…

          والعولمة كمفهوم هي عملية حضارية تسعى لصياغة مجموعة من التحولات الاقتصادية السياسية والثقافية، وتدعم مسار هذه التحولات عبر محاولتها لنفي أي مسارات أخرى أو حضارات أخرى وأفكار أخرى منها فكرة القومية. كما إنها تسعى لنبذ كل العلاقات الاجتماعية والفكرية القديمة وكل الأفكار كالدول والعائلة والقومية باعتبارها أفكار قديمة رجعية وهمها (العولمة) الوحيد هو الانفتاح على السوق العالمي.

          وهي العملية الحضارية، أيضاً، ليوتوبيا السوق الكوكبية الجديدة وحضارتها الإنسانية الشاملة والتي تزامن نحوها مع انهيار اليوتوبيين القديمتين (حسب زعمها): التحرر الوطني والاشتراكية.

          وذلك يعني باختصار: محاولة فرض هيمنتها الايديولوجيا على العالم لكنها تخفي، في الوقت ذاته، الكثير الكثير من التناقضات، فمنذ بزوغ فجر العولمة، بدأت الهوة تزداد بين الطبقات، فأصبح هناك طبقة الرأسماليين الذين، يوماً بعد يوم، تتمركز بأيديهم الرساميل العالمية، وأصبح هناك طبقة الفقراء المعدومين، إذ تقريباً لم يعد هناك وجود للطبقة الوسطى.

          وعملية العولمة موزعة على جميع النواحي الحياتية، إذ أنه أصبح هناك العولمة الاقتصادية والثقافية الخ…

          ولكن بحثنا سيكون مركزاً على العولمة الاقتصادية أكثر منها الأخريات، مع العلم أننا سنتطرأ إلى الأخريات ولكن بدون التركيز عليها…

            وللعولمة أدوات، فهي في محاولتها لفرض نفسها يجب عليها أن تستعمل أدوات فرض هيمنتها، وأدوات العولمة، الاقتصادية بالذات هي السوق المصرفية العالمية والكثير غيرها من المنظمات العالمية (منظمة التجارة العالمية، صندوق النقد الدولي…) ولكن أهم هذه الأدوات، هي الشركات المتعددة الجنسيات، أو كما ارتأى البعض تسميتها، الشركات المتعدية الجنسيات.

          ومن أهم مهام هذه الشركات، بالدرجة الأولى إعادة الاعتبار إلى السوق الحر العالمي وإعادة الحياة النظرية حرية التجارة الدولية، التي كانت في جمود منذ فترة ليست بقصيرة.

          كما ان هذه الشركات تحاول في الوقت نفسه وذلك عبر أجهزتها الايديولوجية (إذا صحت التسمية)، تنشيط همة العالم الثالث، واقناع شعوبه بأن كل مقولات الثورات وحركات التحرر الوطني قد انتهى وقتها وولة زمانها، وهي زائقة ودون جدوى، وأنه لا أمل لها في تنمية وتقدم مسارها لتكون في ركب الدول المتقدمة، (وبالتالي محاولة توسيع الهوة بين العالم).

          ان ثورة الاتصالات وإزالة الحواجز القومية أمام حركة التجارة العالمية والمال عبر صيغة هذه الشركات هما الأساس المتين للعولمة. هذا بالإضافة إلى العوامل، الآتي ذكرها، والتي لها دور مهم أيضاً في عملية العولمة، وهي:

 1. انهيار أسوار العزلة التي كانت تحمي بعض الأمم، وتتيح لها إغلاق حدودها وأسواقها لحماية اقتصادها، وأهم هذه الأسوار كان الاتحاد السوفياتي.

 2. الإعلام المعلوم الذي استطاع أن يحارب جميع النزعات الوطنية وحول منها إلى تفاهات في نظر الشعوب (نذكر قصة الطالب الصيني الأعزل الذي وقف أمام الدبابة، انهيار جدار برلين…).

 3. تزايد السكان في العالم، وتوسع حركة الهجرة والسياحة واللجوء السياسي مما ساهم شيئاً فشيئاً في تغير مفهوم الحدود القومية. 01975 - 2000 كانت نسبة الهجرة فيها لأكبر من نسبة الهجرة على مر التاريخ) وبالتالي وصلنا الى النتيجة المنشودة: العالم أصبح صغيراً.

 4. الزيادة الكبيرة في تنوع السلع والخدمات وفي حركة انتقالها (في مصر ثلث المجتمع المصري يعتاش من المداخيل التي يبعثها أقاربهم المغتربون في الخارج).

 5. محاولة الثقافة المعلومة إلى زعزعة فكرة المكان والوطن باعتبارها إحدى الرواسي القديمة في تصور الإنسان لذات وللعالم.

          ان كل هذه العوامل ساهمت وتساهم في عملية التطور لهذا الشبح (العولمة). لكن كما ذكرنا سابقاً، فإن أهم الأسباب في هذا التطور، الذي يسعى للوصول إلى مرحلة احتكارية حيث تنتهي المنافسة، فهو قانون السوق الحر والذي بدأت بالتبلور في الثمانينات والتسعينات. وهذا يذكرني بمقولة لأدم سميث، اعتبرت قرآن هذا القانون ألا وهي: "دعه يعمل دعه يمر".

   ·   إن هذا التحول من السوق الاجتماعي إلى السوق الحر هو الشغل الشاغل للمنظمات الكبيرة الذي ذكرناها سابقاً، أعني "منظمة التجارة الدولية، صندوق النقد الوطني" وليس من الخافي ان البلد المتزعم، والأب الروحي لهذه العملية وهذا المشروع هي الولايات المتحدة الأميركية، وهي البلد الأكثر معاناة من سلبياته وتناقضاته، إذ أنها تنعكس سلباً على المجتمع وتؤدي إلى انحلاله وتزايد الفقر والجرائم، والغريب هو اعتماد المع في حل هذه المشاكل، فليس هناك بلد صناعي متقدم يستخدم السجن كوسيلة للسيطرة على التناقضات داخل المجتمع مثل أميركا.

   ·   من كل ما تقدم، هناك استنتاج واحد بقي لنا معرفته وهو أننا أصبحنا ف مرحلة الـ COSMOPOLITICK  حيث أن العولمة تسعى إلى إنتاج طبقة جديدة من البرجوازيين وهم البرجوازيين الكوكبيين.

          كما انه يأخذنا شيئاً فشيئاً إلى الاستنتاج التالي: أن الحكومات لا تستطيع تقرير مصير التغيرات الاقتصادية إنما السوق الحر هو الذي يقرر.

            وباختصار إن العولمة تسعى إلى إقامة نظام عالمي يقوم على أساس أن شعوب العالم هي أمة واحدة وذات حكومة واحدة وقوانين واحدة ومصلحة قومية طبقية واحدة وراء حاجز جمركي، وهذا ما تكلم عنه الاشتراكيون وأبرزهم ماركس، وتنبؤا به منذ أكثر من 100 عام. وكما وصفها "رامونية"، أي ثورة الاتصالات والتكنولوجيات والسوق الحر، وصفها كما يلي: اللاجسمية، الكونية، الديمومة، الفورية، وهي صفات إلهية.

 العولمة الثقافية:

          هل هناك ثقافة للعولمة؟ هل هناك ثقافة معولمة؟ هل هناك ثقافة عابرة للقوميات؟ "ثمار النشاط الفكري عند كل أمة تصبح ملكاً مشتركاً لكل أمة" "ويتألف من مجموع الآداب القومية والمحلية أدب عالمي"

          ولكن لننظر نظرة أعمق للثقافة وعولمتها.

          للثقافة العامة، وللثقافة القومية خاصة دور كبير في الحفاظ على الهوية القومية،  وصابغة أدق التفاصيل فيها، وبالتالي الخلفية الثقافية لهذا الإنسان (هناك اختلاف كبير حول تفسير كلمة الهوية و الثقافة القومية من نخوض فيه).

          على مر التاريخ كل مقاطعة كانت تحتل مقاطعة أخرى، كانت تسعى لفرض ثقافتها ولغتها عليها، والأمر ذاته بالنسبة للعولمة، إذ أنه عليها فرض هيمنتها الثقافية المعولمة لتضعف الثقافة القومية عند الإنسان، وبالتالي محاولة إبعاده قدر الإمكان عن جذوره الثقافية.

          ولكل طرح أساس ثقافي لدولة قومية لا بد من الحديث عن جذور الثقافة فيها، يجب التحدث عن تراثها الثقافي الذي يتشكل من ذاكرتها وأساطيرها وقيمها وأعرافها ورموزها، ان تداخل هذه العناصر فيما بينها هو ما يشكل نسيج للوعي الشعبي.

          إن العولمة، أمام هذا، تحاول أضعاف الذاكرة التاريخية عند الأمم وخلق ثقافة أو حضارة معولمة أو كوكبية، لغتها الإنكليزية مثلاً (مع العلم أنها قابلة للتغير) وبالتالي تعمد وببطء إلى تغيير شيفرات اللغة.

          إن مثقف العولمة، كما اتفق تسميته، هو مثقف مقلوب، والصحيح هو أن آليات العولمة تخلق أثناء المواجهة بين مصادرات العولمة وأي ثقافة قومية تناقضات داخل الإنسان ذاته. إذ أن مثقف العولمة في بلدان العالم الثالث هو ذاته كان من قواد حركات التحرر الوطني، وبالتالي هو الليبرالي. وهناك خلقت آليات هيمنة تتداخل في حياتنا اليومية منها الـ MCDONALD وCOCA COLA والـ JEANS و… وحاولت وما زلت تحاول تعميمها كرموز للنظام العالمي الجديد.

          ان هدف العولمة ليس احتلال الأرض أو السيطرة على الاقتصاد فقط، إنما هو احتلال الإنسان ذاته.

          في الحروب الرأسمالية الاستعمارية، كان الهدف هو احتلال الأرض لإيجاد سوق تصريف، وكانت العقول تتركه حرة، مما يساهم في تقويض المشروع الاستعماري على أيدي حركات التحرر الوطني، كما أنه كان هناك الاشتراكية كرد على عداء النمط الرأسمالي في بعض البلدان (مصر، سوريا، ليبيا، العراق).

        ان تحليل التناقض الذي تخلقه العولمة وآلياتها من خلال تطورها وحده الكفيل بالتعرف على آليات الهيمنة وبالتالي إيجاد آليات المقاومة.

 fadiderbass@hotmail.com

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (24 مرسل):

في 16/02/2011 21:11:44
avatar
ALLAH YE3ATIK ELI3AFIYA FADI WALLAH KELA 7ELO ELI 3MA BETEKETIBO
مقبول مرفوض
2
rima في 16/02/2011 21:18:17
avatar
allah ye3ATIK ELI3AFIYA FADI
مقبول مرفوض
2
مي في 16/02/2011 21:31:00
avatar
" ان هدف العولمة ليس احتلال الأرض أو السيطرة على الاقتصاد فقط، إنما هو احتلال الإنسان ذاته." الكون كله في جمله...الحقيقه تؤلم والعولمه خطر يهدد بانقراض قيمه تنقذنا ..والوعي والثقافه واجبه لمجابهة هذه الموجهه المدمره العارمه..هل هناك حل هل هناك وقت ...؟
مقبول مرفوض
7
abd في 16/02/2011 22:35:16
avatar
ربما هذا من اوسع المقالات التي قرأتها عن هذه الموضع و اكثرها امتلاكا للمعلمات و اعطاء للتفسيرات ، لكن المهم و انا على ثقة من انك ستتابع المضي في اظهار الوجوه الحقيقية المخفية و التي تمثل جذور هذا المشروع ، كما انني علة ثقة انك لم و لن تتكتفي بما كتبت .. شكرا لك و اتمنى لك التوفيق
مقبول مرفوض
3
yousra في 16/02/2011 23:22:20
avatar
صحيح العولمة واقع يعصر لكن الإنسان من أوجدها, عليه تحمل والعايش مهما كانت سلبيتها او إيجابيتها
مقبول مرفوض
5
mohamad في 17/02/2011 01:03:32
avatar
istez fadi yajib an na3lam souboul alta3omoul ma3 al 3awlama wa an na3lama

mafhoumaha wa mazohiraha
istez fadi kalemak 3asal al3ilmou yarfa3 bouyoutan le 3imeda lahe wal jahlou yahdoum bouyouta l3izzi wal karami
مقبول مرفوض
5
ndaf tereza في 17/02/2011 12:04:31
avatar
makal jamed wbma7alu kol kilmi katabta mawzuni whada lsayer aktar shi enu,e7na mnin3ad l3alam ltalet whada lshi lazem yilta8a,ltamyizlta2at 8ani fa2ir,tada5ol l3alam l5areji bshu2un l3arab enu ysir demokratiyi tirja3 el lo8a l3arabiyi wta2alidna n7es enu 2e7na mawjudin bfadelna mu bfadel l3alam l5areji lazem yisir ta8yir shamel wensir a7rar ela lamam nshalla hada lmakal yinawer 3enen lzu3ama2 l3arab wyis7u abel ma yfut lawan alla yi5alik wy2awik fadi
مقبول مرفوض
4
كارول في 17/02/2011 23:35:00
avatar
شكرا فادي على المعلومات القيمة. كتابتك لطيفة وسلسة. وراح ابقى بانتظار مقالاتك المقبلة.
مقبول مرفوض
4
عوني في 18/02/2011 00:58:35
avatar
تسلم ايدك فادي اصلا لا سلام وامان الا بتطبيق ما اشرت اليه ولذلك يجب الغاء الطائئفية السياسية . ببلد مثل لبنان متعدد الطوائف يجب الغائها واتباع نظام العلمانة والحياة المدنية
مقبول مرفوض
5
cecilia في 18/02/2011 07:34:41
avatar
كتير حلو المقال وموثق بشكل مقنع ، ومتل ما بيقولو بالدارج : حاطط إيدك عالجرح ، وعجبتني كتير قصة ثقافة العولمة من الجينز للكوكا كولا وغيرها أنا من رأيك ، كنت بحب تحكي أكتر عن الإنترنت وسرعة نشر الثقافة الغربية ، أو حتى الألعاب الألكترونية ، يللي بتصنف الإرهاب بحسب مصالحها ، من القاعدة ، إلى إيران وحزب الله ، كلها ألعاب موجودة بمتناول الأولاد ، وطبعاً إسرائيل وأميركا هني الأبطال يللي عندن حق وبينتصروا بالنهاية !!! وكيف إنو العولمة عم تستعمر العالم سياسياً بواسطة الثقافة يللي حضرتك حكيت عنها بطريقة رائعة !! وطبعاً لاحظت إنك ما تطرقت لحلول ,انا معك بهالناحية لأنها مسألة دقيقة وبدها منظومة مقاومة قائمة بذاتها ، ولكن أنا بدعيك انك تركز بالمقالات الجايي على هالناحية تحديداً وتطلق شرارة التغيير للمفاهيم وللخنوع والخضوع الكامل للغرب يللي عم يكبر بالعالم العربي وحتى بالعالم كلو !!
الله يعطيك العافية ، ويسلم تمك وانشالله دايماً بالطليعة !!
مقبول مرفوض
6
1 2 3 next المجموع: 24 | عرض: 1 - 10

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
4.29